المقريزي
113
رسائل المقريزي
خلطتك لهم ، والمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أو إيذائهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم . وخلطتهم في الخير أفضل من عزلتهم فيه ، وعزلتهم في الشر أفضل من خلطتهم فيه . فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله وقلله فخلطتهم خير من اعتزالهم ، وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق ، والأصناف التي قبلهم أهل التعبد المقيد ، فمتى خرج أحدهم عن الفرع الذي تعلق به من العبادة وفارقه يرى نفسه كأنه قد نقص ونزل عن عبادته فهو يعبد الله تعالى على وجه واحد . وصاحب التعبد المطلق ليس له غرض في تعبد بعينه يؤثره على غيره ، بل غرضه تتبع مرضاة الله تعالى ، إن رأيت العلماء رأيته معهم ، وكذلك في الذاكرين والمتصدقين وأرباب الجمعية وعكوف القلب على الله ، فهذا هو الغذاء الجامع للسائر إلى الله في كل طريق والوافد عليه مع كل فريق . وأستحضر هاهنا حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقول النبي صلى اللّه عليه وسلّم بحضوره « هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينا ؟ قال أبو بكر : أنا ، قال : هل منكم أحد أصبح اليوم صائما ؟ قال أبو بكر : أنا ، قال : هل منكم أحد عاد مريضا ؟ فقال أبو بكر : أنا ، قال : هل منكم أحد اتبع اليوم جنازة ؟ قال أبو بكر : أنا « 1 » . . . » الحديث . هذا الحديث روى من طريق عبد الغنى بن أبي عقيل : ثنا نعيم بن سالم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم جالسا في جماعة من أصحابه فقال : « من صام اليوم ؟ فقال أبو بكر : أنا ، قال : من تصدق اليوم ؟ قال أبو بكر : أنا ، قال : من عاد اليوم مريضا ؟ قال أبو بكر : أنا ، قال : من شهد اليوم جنازة ؟ قال أبو بكر : أنا ، قال : وجبت لك » « 2 » يعنى الجنة . ونعيم بن سالم وإن تكلم فيه لكن تابعه سلمة
--> ( 1 ) رواه بتمامه مسلم ك : فضائل الصحابة ( 1018 ) ، والبخاري في « الأدب المفرد » ( 515 ) ، والنسائي والبيهقي في السنن ( 4 / 199 ) ، وابن خزيمة كما في الترغيب ( 3 / 319 ) من حديث أبي هريرة ، ومختصرا من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر عند أبي داود ك : الزكاة ( 1670 ) ، والحاكم ( 1 / 412 ) وصححه على شرط مسلم وأقره الذهبي ، والطبراني في « الكبير » ( مجمع 3 / 163 ) . ( 2 ) الحديث من طريق أنس فيه أن القائل هو عمر وليس أبو بكر . رواه ابن أبي شيبة في المصنف ك : الجنائز ( 3 / 236 ) ك : الفضائل ( 12 / 37 ) ، وأحمد في مسنده ( 3 / 118 ) ، والبزار ( كشف الأستار : 1043 ) والبغوي في شرح السنة ك : الزكاة ( 1647 ) ، وذكره الهيثمي في المجمع ( 3 / 163 ) وقال : « رواه أحمد والبزار وفيه سلمة بن وردان وهو ضعيف » .